كبت المشاعر بين البنية الدفاعية والتداعيات النفسية والاجتماعية بقلم سلوى عبد الرازق قاسم

يعد كبت المشاعر من الظواهر النفسية المعقدة التي تتجاوز حدود السلوك الظاهري لتتغلغل في بنية الشخصية والوعي واللاوعي معا فهو ليس مجرد امتناع عن التعبير بل هو عملية دفاعية داخلية يعمد فيها الفرد الى عزل انفعالاته او انكارها او تعطيل حضورها في المجال الواعي بهدف الحفاظ على التوازن النفسي الظاهري او تجنب الالم او الخوف من الرفض الاجتماعي
يندرج كبت المشاعر ضمن الاليات الدفاعية التي وصفها التحليل النفسي بوصفها استجابات غير شعورية يلجأ اليها الفرد لحماية ذاته من التهديد الداخلي او الخارجي غير ان الفارق الجوهري بين التنظيم الانفعالي الصحي والكبت المرضي يكمن في مستوى الوعي فالتنظيم يعني الاعتراف بالمشاعر وفهمها واعادة توجيهها بصورة تكيفية بينما الكبت يعني انكار وجودها ابتداء وما يتم انكاره لا يختفي بل يعاد انتاجه في صورة اخرى اكثر تعقيدا
تشير الدراسات المعاصرة في علم النفس العصبي الى ان المشاعر المكبوتة لا تتلاشى داخل الجهاز العصبي بل تستمر في تنشيط دوائر التوتر واليقظة بما يؤدي الى ارتفاع مستمر في مؤشرات الاجهاد الجسدي والنفسي ومع الوقت يتحول الكبت المزمن الى حالة من الاستنزاف الداخلي تظهر في اضطرابات النوم والقلق المزمن والانهاك العاطفي واضطرابات الجهاز الهضمي وامراض نفسجسمية متعددة
على المستوى الاجتماعي يسهم كبت المشاعر في تشويه انماط التواصل الانساني اذ يصبح الفرد اقل قدرة على الافصاح عن احتياجاته واكثر ميلا الى الانسحاب او الانفجار المفاجئ بعد تراكم طويل ويؤدي ذلك الى خلل في العلاقات الاسرية والمهنية حيث تتراكم مشاعر غير معبر عنها تتحول تدريجيا الى مسافات نفسية يصعب ردمها
يرتبط كبت المشاعر في كثير من السياقات بالبنية الثقافية التي تمجد الصلابة الظاهرية وتربط التعبير الانفعالي بالضعف او قلة النضج مما يدفع الافراد منذ الطفولة الى تبني نمط من الرقابة الداخلية الصارمة على انفعالاتهم ومع تكرار هذا النمط يتشكل ما يمكن تسميته بالانفصال الانفعالي حيث يفقد الفرد تدريجيا قدرته على التعرف الدقيق على حالته الشعورية فيعيش حالة من الضبابية الوجدانية التي تعيقه عن اتخاذ قرارات اصيلة متسقة مع ذاته
ان اخطر ما في كبت المشاعر لا يتمثل في الالم ذاته بل في تراكمه الصامت وتحوله الى بنية داخلية دائمة تعيد تشكيل نظرة الفرد لنفسه وللعالم فالشخص الذي اعتاد تجاهل مشاعره قد ينجح وظيفيا واجتماعيا لكنه يظل معرضا لفراغ داخلي او شعور غير مفسر بعدم الرضا نتيجة غياب الاتصال الحقيقي بذاته
من منظور وقائي وعلاجي يتطلب التعامل مع ظاهرة كبت المشاعر اعادة بناء العلاقة مع الذات عبر تنمية الوعي الانفعالي وتعلم مهارات التعبير الامن وتفكيك المعتقدات الثقافية التي تساوي بين الصمت والقوة كما تبرز اهمية الدعم النفسي المتخصص في الحالات التي يتحول فيها الكبت الى نمط مزمن يؤثر في جودة الحياة والاداء الاجتماعي
ان الصحة النفسية لا تتحقق عبر انكار المشاعر بل عبر استيعابها وفهم رسائلها واعادة توظيفها بصورة بناءة فالمشاعر ليست عبئا ينبغي التخلص منه بل منظومة اشارات داخلية تسهم في توجيه السلوك وصناعة المعنى وحين يمنح الانسان ذاته حق الشعور دون خوف او ادانة فانه لا يفقد تماسكه بل يعيد تأسيسه على قاعدة اكثر صدقا واتزانا
وبذلك يمكن القول ان تحرير المشاعر من دائرة الكبت لا يمثل ترفا عاطفيا بل ضرورة وجودية لبناء انسان متوازن قادر على التفاعل الواعي مع ذاته ومجتمعه وقادر في الوقت ذاته على تحويل الالم الى خبرة والنقد الى نمو والتجربة الى وعي متجدد

Related posts